ابن الجوزي

152

صيد الخاطر

مطالعة الحقائق على التحقيق تفسد البدن وتزعج النفس . وقد روي عن أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليه : أنه سأل اللّه تعالى أن يفتح عليه باب الخوف ففتح عليه فخاف على عقله . فسأل اللّه أن يرد ذلك عنه . فتأمل هذا الأصل فإنه لا بد من مغالطة النفس وفي ذلك صلاحها واللّه الموفق والسلام . 108 - طلب معالي الأمور من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات ، ونهاه عن الرضى بالنقص في كل حال . وقد قال أبو الطيب المتنبي : ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه ، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض ، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض ، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل . وأنا أشرح من ذلك ما يدل مذكوره على مغفله . أما في البدن ، فليست الصورة داخلة تحت كسب الآدمي بل يدخل تحت كسبه تحسينها وتزيينها ، فقبيح بالعاقل إهمال نفسه وقد نبه الشرع على الكل بالبعض . فأمر بقص الأظفار ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، ونهى عن أكل الثوم والبصل النيء لأجل الرائحة . وينبغي له أن يقيس على ذلك ويطلب غاية النظافة ونهاية الزينة ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعرف مجيئه بريح الطيب فكان الغاية في النظافة والنزاهة ، ولست آمر بزيادة التقشف الذي يستعمله الموسوسون أو المترفون ولكن التوسط هو المحمود . ثم ينبغي له أن يرفق ببدنه الذي هو راحلته ولا ينقص من قوتها فتنقص قوّتها . ولست آمر بالشبع الذي يوجب الجشاء إنما آمر بالتوسط فإن قوى الآدمي كعين جارية ، كم فيها من منفعة لصاحبها ولغيره ، ويعين صانعا ولا يلتفت إلى قول الموسوسين من المتزهدين الذين جدوا في التقلل فضعفوا عن الفرائض ، وليس ذلك من الشرع ولا نقل عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ولا أصحابه .